بائعٌ وسط الرّمال – طفرة جوز
أهلًا بكم في طفرة جوز - منصة المبدع العربي، سجلوا الدخول وانشروا ابداعاتكم في شتى المجالات: رسم ،تصوير ، تصميم ، شعر وقصيدة ، خواطر ، قصة قصيرة ، مقالات ، ابداع ، أعمال يدوية وكل ما هو ابداع.

بائعٌ وسط الرّمال

صباح جميل و هاديء ، فيه لسعة برد رقيقة، الشوارع نقية الا من ثلاثة جنود مُعلًّقين في ثلاث بنادق شبيهة ، أعصابهم مشدودة تكاد ان تتقطّع ، يرقبون كل نسمة مارة ويخشونها كثيرا لدرجة اطلاقهم الرصاصات باستمرار، يطلقون النار على كل شيء ، لم تصبني ايا منها ، رصاصاتهم لم تنفد حتى الان ، و ارواحنا لن تنفد حتى يوم القيامة ، فنحن في “زعترة” مستمرون “الخ…”. لم اواصل السّفر جنوبا صوب رام الله كما اعتدت في معظم الايام ، بل انعطفت على عجل الى اليسار صوب الشرق ، فوجهتي في الامس كانت محكمة بداية اريحا ، المدينة الحارّة و القديمة جدا. واصلت السير صوب الاغوار وصولا في الوقت المناسب الى المحكمة، الطرق في الضفة المحتلة وخلال الاعياد اليهودية تكون خالية من المستوطنين والشرطة والجيش ربما ، وكل ما ذكر يستفزُّ المسافر الفلسطيني كثيراً ، لكن الطرقات قد تُغلَق وتدلف الحواجز وتتفشى دوريات الاحتلال في لحظات، الحمد لله لم يحصل ذلك صباح الامس ، لكنه حصل مساء اول امس خلال عودتي من رام الله.
في طريقي من مادما الى اريحا وقبل ولوجي الغور الحارّ ، استرقتُ النظر من علٍ ورأيت التلال تلمع وكأن الشمس حكّت واجهتها العتيقة ورشّت تلك الحبيبات المضيئة على تلك التلال السعيدة بصباح ربيعي متجدد. كنت أرغب بشدة ان اتوقف والقي سيارتي جانبا ، وانسى كل شيء ، انسى المحكمة والعمل والاحتلال والحزن ومشاكل الحياة ، وثقيلي الظل، وانسى كل شيء حتى! اجلس تحت شجرة مطلّة واتأمل كل تلك التلال وكل ذلك التوهج الصباحي اللامحدود ، اشرب فنجان ماء ، لماذا ؟ لا علم ! وأتبعه بفنجان شاي، لماذا؟ لانني صافدت احدا يبيع الشاي! وأضع حفنة من حبيبات الشمس المتساقطة في جيبي، والا اعود ، والا اواصل الرحلة والا ابقى مكاني ، والا أحضر المحكمة ، فهناك خيارات اخرى دوما متاحة دون غضب موكلي ، او خوف امي ، او حتى تعكّر مزاجي، الخيارات لا تنضب.
لم يحصل ايا من تلك الخيارات في حينه غير مواصلتي السير الى محكمة بداية اريحا ، انتهيت منها وعدت الى رام الله سالكا طريقاً اخر، لم اواصل السير صوب البحر الميت ولم يراودني الفضول بذلك رغم تشوقي الدائم للبحر ، لا اعلم السبب حتى الان! واصلت الطريق السريع المليء بلافتات عبرية-عربية- انجليزية ركيكة جدا ، وفجأة لاحظت لافتة باللون البنيّ تشيرالى “مقام النبي موسى” التاريخي، نظرت للساعة وكانت تشير لمنتصف النهار تقريبا وذلك حسب توقيت صحراء فلسطين ، وبدون اي تردد اشرت ب”غمّاز” السيارة الى اليسار، بضع ثواني كانت كافية لأجد نفسي في طريق شبه صحراوي و شبه معبّد لم تطأه قدماي او عجلات مركبتي من قبل، بضع ثواني كانت كفيلة لاجد نفسي اتحدث مع انسان غريب الأطوار قدمَ من مكان بعيد ، ليحدثني عن امر لم يسبق لي الحديث فيه ، ولاشتري من اخر دمية ربما لم اجدها في طفولتي الاولى ، دخلت المبنى واعجبتني قبابه الجميلة ، حتى الان لم اعلم سبب استدارتي غير المخططة ، ولم اعلم حتى سبب اللون الاخضر لقبة واحدة فيها من بين عديد قباب المنامات واسطبلات الخيول وغيرها من المرافق، نظرت من فوهات النوافذ المفتوحة باستمرار ورأيت رمالاً ملبدة ، وتلة بسيطة ، وكثيرا من القبور ، عدت للأسفل ، دخلت المسجد ، وفي زاوية وحيدة من المسجد كانت متاحة في حينه للصلاة ، صليت ، لمست واجهات المكان القديمة وشممت رائحتها المعتّقة، استدرت مجدداً ثم صليت ، كنت وحيدا تماماً فيها ، لم أرى صلاح الدين ولا ايا من جنده ، ولم اسمع صوت الظاهر بيبرس ولا صهيل خيول جيشه ، لم ارى جيش الجهاد المقدس ، ولا حتى فوارغ رصاصاتهم.
غادرت المكان على استعجال ، مررت ببضعة باعة متجولين وربما مقيمين ، معظمهم يبيعون الفرح للاطفال، الاطفال غير متواجدين بتاتا، البضاعة مكدسة والباعة يبتسمون وينمّون كثيرا ، كذلك لم اكتشف سر ابتساماتهم الدائمة رغم بيعهم الشحيح ، ورغم الرمال المحيطة بهم من كل جانب. لم تستغرق عودتي لعالم الشارع السريع المعبأ هذه المرة باللوحات الصفراء المتحركة سوى نصف دقيقة او دقيقة ربما، تقدمت وجدت نفسي على مفترق الدخول للشارع و مئات المركبات القادمة من جهة القدس ، تمنيت ان تكون جميعها مغادرة للمدينة ، توقفوا في حركة “لطيفة” ليسمحوا لي بالعبور ،عبرت وفي ذهني فضول كبير، وأسالة كثيرة ، لم اعلم ان هم الاخرين قد تمنّوا للوحات البيضاء- الخضراء ان تغادر! انا بالفعل غادرت ، ولم اعد للقدس بل الى رام الله ، حيث الكثير من العمل ، وفسحات الأمل الكامنة في محيط جدرانها وتحت حجارتها الراكدة ، عدت الى رام الله ولم اعلم حتى الان ان كانت لوحاتهم الصفراء قد غادرت المدينة المقدسة حقا ولم تعد!

وائل

13/4/2017

شاركها على:

شاهد أيضاً

tafretjoz

حضن أمي أرسم صورتك ياأمي وألونها ولا أجمل الرسوم أنت عني بعيدة وأرى صورتك بين …

اترك تعليقاً

أهلًا بكم في طفرة جوز - منصة المبدع العربي، سجلوا الدخول وانشروا ابداعاتكم في شتى المجالات: رسم ،تصوير ، تصميم ، شعر وقصيدة ، خواطر ، قصة قصيرة ، مقالات ، ابداع ، أعمال يدوية وكل ما هو ابداع. ، شروط الاستخدام