عصف الجبل – طفرة جوز
أهلًا بكم في طفرة جوز - منصة المبدع العربي، سجلوا الدخول وانشروا ابداعاتكم في شتى المجالات: رسم ،تصوير ، تصميم ، شعر وقصيدة ، خواطر ، قصة قصيرة ، مقالات ، ابداع ، أعمال يدوية وكل ما هو ابداع.

عصف الجبل

هنا الجبل الأسود ؛ هنا مدينة الفحم الحجري وبامتياز “جرادة”، مدينتي الجميلة، مرحلة عمري، ولى الصبا وأقبل الشباب، امتزج الطيش ببريق الحياة، ومن منا لم يمر بتجربة يبتسم الثغر لذكراها، كلنا آبار عميقة سقطت فيها دفاترنا بمختلف أشكالها وألوانها، كل على حسب اللحظة التي نقشت فيها سواء بماء الزعفران أو بماء الأحزان، ما عجت به أيامنا من أحداث ووقائع لنا معها الخيط الرفيع، الخيط الذي يٌدهدهنا إلى أعماقها أحيانا لنتجول داخلها بصمت لنطفو للحياة مرة أخرى بأمل جديد وابتسامة لا يدركها إلا الزمن الذي نقشها بتمعن وفن.

ذكراي، دٌونت في يوم مختلف شيئا ما عن سائر الأيام، يوم لم  ينسى، يوم كان قد أنزل فيه الله وبأمره زوبعة ليست كمثيلتها من الزوابع، هبت حالكة كسواد ليل مقفر في صحراء جرداء أسود رملٌها، بقايا فحم عج فتحول إلى إعصار قاتم استحالت معه الرؤيا، بوم شبابي طائش اشتركته مع رفيقتي التي كان لها رباط غرامي مع زوجها المستقبلي، الشاب الوسيم الأبيض البشرة، الطويل القامة والقوي البنية، شاب في العشرينات من عمره، فارس أحلام الكثيرات.

غداءنا في ذاك اليوم، كان طبق الأسماك المفضل الذي يسيل له لٌعاب الخطيب، يشتهيه ويعجز عن إعداده، ولم تسول لها نفسها تذوقه دون ترك حصة الأسد للفارس الجميل ؛ لم لا.. وهل هناك حلم أجمل وأعذب من الارتباط بغريم نعشقه، وخصوصا إذا كان القدر الجميل موالينا ؛ استشارتني ولبيت الطلب، وفرَت لي فرصة الخروج من روتين يومي متمثل في طي طريق ممل يربط البيت بالمؤسسة التعليمية، فمدينة الفحم جد صغيرة وليست بها مجالات التجول أو الترويح عن النفس، خروجك للشارع دون هدف، تتبعه العيون وتلتهمه الشرور، وكيف لي أن أرفض وهي صديقتي قبل أن تكون قريبتي ودفتري الجميل المٌزين بأجمل الزخارف وأبهى الألوان ؛ صديقة الحنان قلبها والابتسامة ثغرها ولا أحب ولا أعز منها لروحي، مخلوقة قلبها الحٌب ولٌبها المصداقية، شبيهة الملائكة أناديها.

في طريقنا للوجهة المقصودة، قهقهاتنا ملأت الفضاء المرتجف لنسماتنا حٌبا لحديثنا ؛ أطلقنا له العنان للوله بسكرات فرحنا وسعادتنا، طوينا الطريق طيا دون ملل أو كلل، وكيف لنا التعب وآثار الصبا لا زالت متفردة بجلدنا اللين ؛ أغصان خضراء وأينعت، ابتسامات بمحياها طوت الأحزان وأذابت الصلد المفروش تحت رنات الصبا، ويا جبل لك ذكرانا.

مرحبا بنا ومرحبا، طرقنا الباب بخجل وتأني والحشمة توالينا، ناولنا الشاب الصحن الشهي بما طاب من سمك لذيذ، وكم سَعد باستقبالنا وكأنه زغلول جوعان رجعت له الحمامة بالحَب والزلال، فالمسكين لا من يطهو له ولا من يتذكره، أصغر أفراد عائلة تدفئ براعمها خوفا من صقيع الحياة ناسية قلب يتيمها الفاقد للدفء الأسري الذي حرم منه ولم يجده إلا في قلب الجميلة صديقتي ؛ شاب وسيم مفعم بالحيوية والأخلاق الطيبة ميزته، من نوادر الشباب الذين يحملون لب العطاء ويقدمونه في طبق ذهبي لغريمتهم والفرح يغمرهم، لا يتغيرون وللونهم لا يٌبدلون، قوة مفعمة طموحاتهم، فهنيئا لها الحظ الوفير معه.

سلمنا الهبة الربانية لصاحبها وعدنا من حيث أتينا، طفلتين فرحتين وبريئتين ؛ اتجهنا لمحطة الحافلة مزقزقتين ومغردتين، ويا لها من تغريدة !.. والتها الواقعة التي لم تكن في الحسبان، حيث أنزل الله من خلالها ما أنزل..، تحول الفرح إلى خوف، حزن وندم، خوف من أسطول الموت، خوف من عدم الرجوع، خوف من الخاتمة، خوف من الاندثار تحت العاصفة، خوف من العاقبة، خوف من كل شيء.. فلربما تنعكس الفرحة والابتسامة الطفولية إلى شجن، كنهاية لتصرف عشوائي بريء لا يحمل في طياته أي سيئ ما عدا الحب والتفاؤل ؛ أجل، وقع ما لم يكن في الحسبان، وقع ما لا تحبذه نفس وما لا يطيقه بدن، وقع ما حولنا إلى أجسام سوداء باردة، انطفأ فيها الحلم وتجمد فيها الفكر، فعند قدم الشؤم الأسود، الهيكل الذي لم يتكون في عصر جيولوجي أو عن ظاهرة زلزالية، ففقط اليد البشرية من صنعته، ركام فحمي ضخم يشهد على فضاعة تسيير المدينة التي أرضعت أبناءها مٌر العيش باستنشاقهم غبار الفحم “السيليس”، سبب داء “السيليكوز”، المرض المزمن الذي يقطن رئات العمال الدين يٌلَوكونه مع الخبز ويرتشفونه مع شاي الصباح، فللقهوة ثمن.. المدينة التي تحول ضوء نهارها إلى مكنسة لكل ما عليها فعجت قاتمة اللون وعصفت في رمشة عين، .جثت دون سابق إنذار ؛ تناثر الركام الأسود في كل الاتجاهات وبقوة لا توصف سمرتنا أمام مهابته، ازداد قلبنا قلقا، هلعا شديدا وارتباكا مفرطا، الظلمة الدامسة وكثافة المسحوق المصطدم بوجهنا أعدم مدى رؤيتنا وأخنق تنفسنا…، أصوات صفير الرياح ملأت المكان وزادت الظلام رعبا على رعب،  تساقط  فروع الأشجار واللوحات أغلق مسارنا ولم يكن بإمكاننا سوى الوقوف واختيار شهادة آن “لا اله إلا الله” متنفسا لروحنا التي زعزعها الخوف وصارت ترتجف من هول المصيبة التي ألمت بنا، ولمن نشتكي وندعو اللطف والرحمة غير الله عز وجل سبحانه.

وسط الحفرة التي وطئنا على قلبها، غٌرسنا مٌتحدتين ومٌتشابكتين، لا سيارات ولا ضوء فقد انقطع الكهرباء بعدما تفرقعت الأسلاك الكهربائية وانتشرت شظاياها معلنة الحرب والموت لمن يقترب، شهب مشتعلة حلقت في سمائنا تحمل السلاح المٌهين تعلن القتل حرقا.

بعد العناء المرير، غادرنا المكان إلى مقر المحطة ؛ اطمئن قلبنا والحمد لله، فلحسن الحظ وجدنا هناك قلة من خفافيش الظلام المختبئة تحت سقفها، لوحات لعبت بها فرشاة التفحيم ولم تخطأ إلا في تبييض الأسنان الذي ازداد توهجا بسبب قتامة زيت السيليس، فاختلاط الفحم بقطرات المطر لا يعطي إلا الطلاء الفريد الذي لا يٌزاح بالماء البارد، بل يٌورنَش بالماء الساخن والصابون الكثيف وإلا بقيت لوحتك مكفهرة منعدمة الحياة.

أخذنا ركنا في المحطة العجيبة، مجرد اسم وكفى، مكان لوقوف الحافلات وليس إلا، أربعة أعمدة حديدية تحمل صفيحة كسقف ؛ مدينة الذهب الأسود، يا للسخرية ويا وطني…، لا حافلة ولا منقذ ؛ توقفت الحياة بعدما عَصف الجبل الأسود وارتجف نهر تشرين، مدينة لا تمد أبناءها بأقل جزيئات الحنان والحنين الذي يعانون من نقصه، السيدة المتزوجة بالرجل الثري، والتي سيبهت بريقها بمجرد وفاته ولسوف تجد نفسها بلا معيل ولا مورد رزق، فالزوج الفرنسي مجرد لقيط غريب وانتهازي ، مغادر ولا محالة في المستقبل القريب، مدينة تتكون من حي أوروبي بشرقها وحي آبار فحمية بغربها، حي الفقراء، حي العرب، بل كل الأجناس المغربية المختلطة التي انهالت على المدينة إبان اكتشاف منجم الفحم من قبل المستعمر الفرنسي، وما لك يا عربي إلا الرداءة و في عقر دارك، غريب وحارس وعامل لناهبي وخائني وطنك.

تمهلوا أصدقائي..، فهناك ضوء خافت يلوح، ماذا هناك..، أخيرا ولحسن الحظ بزغ القمر، سيارة كبيرة من نوع “رونو ترافيك” تبحث عن عشاء ليلها، حَملت اللوحات الباردة المٌتسمرة الأرواح والمزعزعة الإطارات، المٌتشردمة من هول ما حدث، نقلتنا إلى الساحة التي تتوسط المدينة حيث سٌكنانا، سيارة خاصة لا تتبع أي نظام مخزني.. هو شخص يعمل في الخفاء اختباء من السلطة، مقابل بعض الدراهم المسودة التي يعيل بها أسرته الفقيرة، والحمد لله على بَعثه في تلك اللحظة، فلولاه للبثنا في حي الشؤم، ولربما كنا تعرضنا لمكروه، ومن يدري.. فالشكر لمن لا ينسى الطير في السماء، شكرا يا الله، لا اله إلا أنت سبحانك، وما أعظمها حين نناديك بها رب الكون لا إله إلا أنت.

بٌعثنا وكٌتب لنا العمر الجديد، اتجهنا مهرولتين مختبئتين إلى البيت خوفا من هَمس الأعين، دخلنا متسللتين كعاملتين صعدن للتو من مَنجم السيليس، كالسارقات نحن. اقتحمنا ظلام الحمام على ضوء الشمع واغتسالنا كان مجرد إزالة لطلاء الفحم، كريم التشويه، ولن تتصوروه، ونحن نغتسل أعدنا مسرحيتنا بوشوشة ولعب ومرح، وماذا تقول، طفلات ضربهن الجبل فبكين، لعب معهن دفء الماء فضحكن، فلا فرق بين باكيات أو ضاحكات ؛ لحظة فرح مسروقة عن كل رداءة العالم، وعن كل العيون المتسخة التي تٌبكي الهفوة البيضاء إن لاحت. لقطة مميزة بين البحث عن الصابون والانتشاء بالماء البارد والقليل المسخن على قنينة الغاز فقط، فلا كهرباء للسخان في تلك اللحظة، وكم كنا نحتاج وفرة الماء لإزالة درن المنجم، رضينا بما قل لاحتياجنا للسرعة لكي لا نلفت الأنظار فندخل في سين وجيم وصراخ لا مفر منه، بل وعدم ثقة، وربما ملاحقة وحبس منزلي وإن كان مخففا. انتهينا من السباحة في البركة الملوثة، وارتدينا ثيابا نظيفة بدل السوداء المبتلة تم اتجهنا لغرفة الجلوس كما لو أننا لم نفعل أي شي أو بالأحرى لم يقع ما وقع، ممثلات هادئات نحن، نسينا العصف وجلسنا نتسامر ونتحدث إلى نمنا ونام معنا تهورنا الذي دونته لكم، فماذا دونتم أنتم من طيشكم ؟..، ماذا لم تكونوا طائشين.. لا لا، لا أصدق، الثبات المطلق..، لا أومن بحديثكم، لا أومن..، فحتى القمر زاغ عن موضعه، أما زغتم أنتم ؟ هيا.. احكولي، فإني أنصت…

بماذا أختم وما عساي أقول.. أأعترف بالخطأ والتهور أم ألوم نفسي على فعل قد مضى، ما عساي أقول في تصرف بدر عن حسن نية، فماذا ثم ماذا لو كان الشاب طائشا، ثم ماذا لو كنا قد ارتطمنا تحت السواد، لم ؟ ولم قمنا بتصرف مٌشين..، وكيف ؟ .. وهل كانت العائلة ستغفر لنا لو كانت قد علمت بالأمر..، ومسألة الخطبة هذه ؟ كلام غير منطقي حقا..، أمتخلفة أنا ؟، بالطبع لا..، ولكن وجب الحذر يا سنيني الغالية..، فالخطبة لا تؤهل للتصرف المشين المماثل الذي لا يٌغفر من قبلك فكيف للمجتمع أن يفعل.

السؤال لي والإجابة لكم..، أين تنحصر حقوقكم يا شباب ؟ ما حدودها ؟ ما الحرية ؟ وما دور الأسرة في المراقبة ؟ وكيف سيتم ذلك ؟ الجواب لكم والتربية الصحيحة والتسيير اللائق مسؤوليتنا، أما وقد صرتم شبابا فذاك لكم، فأنتم من يفيد ؛ ويبقى حضور الضمير الإنساني واجب وكلمة “أعقلها وتوكل” خير مٌنقذ، فلا تتواكلوا وتقولوا “قدر الله وما شاء فعل”، فسبحانه عز وجل كلفنا الخلافة على الأرض، فلنحسن التسيير وسبحانه أحسن المدبرين.

حكيمة العطيوني/ المغرب

10959545_1023061654377822_8949807405548594183_n afa

12109329_907486135955772_4664685531666735650_n 75188985hqdefault-1
10320374_766247496749093_1460908144528626277_n liquefaction-charbon3-manieres-d-integrer-le-charbon-actif-dans-sa-routine-beaute_carrousel_quejadore
 

شاركها على:

شاهد أيضاً

tafretjoz

حضن أمي أرسم صورتك ياأمي وألونها ولا أجمل الرسوم أنت عني بعيدة وأرى صورتك بين …

تعليق واحد

  1. ما شاء الله ما أجملها من مدينة… يا حكيمة 🙂

اترك تعليقاً

أهلًا بكم في طفرة جوز - منصة المبدع العربي، سجلوا الدخول وانشروا ابداعاتكم في شتى المجالات: رسم ،تصوير ، تصميم ، شعر وقصيدة ، خواطر ، قصة قصيرة ، مقالات ، ابداع ، أعمال يدوية وكل ما هو ابداع. ، شروط الاستخدام