فناجين السعادة – طفرة جوز
أهلًا بكم في طفرة جوز - منصة المبدع العربي، سجلوا الدخول وانشروا ابداعاتكم في شتى المجالات: رسم ،تصوير ، تصميم ، شعر وقصيدة ، خواطر ، قصة قصيرة ، مقالات ، ابداع ، أعمال يدوية وكل ما هو ابداع.

فناجين السعادة

فنجان قهوة
لم أحزن على فقداني شخصا كما حزنت على وفاة ” الّلا شريفة ” (الترجمة = الّلا أو لالا في بعض مناطق الجزائر هو لقب إحترام للمرأة الأكثر سنا و يقابله ” الدّا” أو “دادا” للرجل ) امرأة ثمانينية عادية جدا من نساء الجزائر ، ولدت وعاشت و ماتت في نفس الحي ، و لم يضرها أن تغلق حدودنا مع دولة (شقيقة) أو أن ينتشر السارس في جنوب شرق آسيا أو حتى أن يقدم قانون تعديل دستورنا (مرة أخرى) و يقلص عهدة رئيس الجمهورية إلى اثنتين !!! بعدما كنا نحضر أنفسنا لرفض العهدة الخامسة !!! كل هذا كان بالنسبة لها “الدنيا ما بقاتش كيما بكري”.
لم أأسف لموتها بقدر ما أسفت لعذابها طيلة 40 سنة ، ولم يكن العذاب قضاء و قدر و لكنه كان خيار قصري !. لم أفهم قبل اليوم كيف ارتبطت سعادتها و (رفاهيتها) بدستة فناجين أتى بها ” الدا البشير” زوجها من فرنسا في بداية سبعينيات القرن الماضي عندما قرر “الدخول إلى البلاد” و العيش مع أولاده على عائدات سيارته الشاحنة Peugeot404 عروس الناقلين في ذلك الوقت.
لقد حمل معه كل عدته و عتاده (ما كان يتعارف عليه بين المهاجرين ب Déménagement ) و مما أتى به دستة فناجين على موضة ذلك الوقت خزف صيني أبيض تحمل دوائر ملونة فقد كانت موضة الأسيرين (aspirine) رائجة في أوروبا ، وأظن أن le coup de foudre وقع بين ” الّلا شريفة ” و الفناجين فأصبحت لآلؤلها التي تداري عليها أكثر من صحتها.
لم تستعملها يوما واحدا لنفسها و لا لضيوفها ، بل حشت علبتها الكرتونية بقليل من الصوف المنفوش حتى تجنبها الصدمات … و أخفتها مكان حليها هي التي لم تملك من الحلي إلا أقراطا ذهبية كبيرة كانت عبارة عن قطعتان نقديتان ذهبيتان من فئة العشرة فرنكات فرنسية قديمة بمعالق كعلامة استفهام حائرة ، و هي موضة كانت شائعة بين النساء الجزائريات إلى بعيد الإستقلال (فلايك اللويز) .
لقد كانت ترد بنفس السؤال على عشرات الأسئلة من أولادها ثم من أحفادها ، لماذا لا تستعمل الفناجين؟ الأسئلة مختلفة و الجواب واحد: ” مخليتها يعود يجي حد” ( الترجمة: أنا أحتفظ بها عسى يأتي أحد الضيوف فأقدم له فيها القهوة) ، و منذ ملكت هذه الفناجين جاءها مئات الزوار ، أتى من زارها في مرضها ، و من قدم لها التهنئة عندما حصل إبنها جمال على أول بكلوريا في العائلة , و حتى عندما مات “الدا البشير” عن 81 سنة جراء une pneumonie لأنه لم يأخذ بنصيحة الطبيب العسكري الذي نصحه عندما جند وكان عمره 20 سنة بأنه سيهلك إذا لم يتوقف عن تدخين علبتي سجائر في اليوم ، حتى في هذا اليوم لم تستعمل” الّلا شريفة ” فناجينها و بقيت مصرة أنه ” يعود يجي حد” ، لقد انتظرت زائرا لم يأتي لأنه غير موجود ، من زارها لم يرق حسب رؤيتها للمقام الذي تقدم له فناجينها.
لقد كانت تنتظر شيئا تصورت وجوده و لم تستطع تجسيده حسيا فرهنت له أجمل شيئ حصلت عليه وكان دستة فناجين!!!.
ولست أدري ما سيكون شعورها الآن وهي على عمق متر ونصف بمقبرة القرية الكلسية الموحشة لو علمت أن بناتها و أبناءها و بعد أن قاموا بالواجب و تبرعوا بملابسها القديمة لعجائز القرية احتراما للعرف السائد ، لم يجعلوا فناجينها ضمن أولويات التركة لأنها اصفرت قليلا و لم يعد أحد يشرب قهوته في فناجين ملونة بالأسبرين !!! ، بل تركوها لأحد أحفادها “سيد علي” مدمن القهوة و السجائر و المتربص بإحدى ورشات الميكانيك ليستعملها و يفض خلافه اليومي مع أمه التي ترفض أن يأخذ من فناجينها التركية الزمردية لأن هناك خطر فقدان أو انكسار أحدها و وقوع الكارثة الاجتماعية فهي لن تستطيع أن تستقبل ضيوفها بأحد عشرة فنجانا فقط ! و لن ترحمها عيون الضيفات المتربصة بأقل ميل عن الأتكيت.
امتلأت نفسي أسى على ” الّلا شريفة ” فقررت أن أسير إلى مقبرة القرية و أقف على قبرها عساي أفهم أو أرى كرامة الوفاء للفناجين!… و بمجرد أن صرت على حواف المقبرة انتبهت أنني ألبس بدلتي البيار كاردان (النسخة الصينية طبعا) و التي أقابل بها كل العاصمة عندما أكون هناك في عمل ، و إنه انتحار _لباسي_ أن أدخل بها إلى مقبرة غير معبدة تطاولت بين قبورها نباتات الحسك الشرسة! توقفت عند سياجها الشائك و فكرت في العودة إلى البيت لأغير ملابسي …و قبل أن أخطو خطوة واحدة تحول أساي على” الّلا شريفة ” أسى على نفسي و تذكرت الفناجين مرة أخرى و أدركت أن لا فرق بيني و بين ” الّلا شريفة ” الآن ! كل له فناجين يداري عليها، كل يؤجل حياته من أجل شيئ لا يعرفه و المثير للبكاء أنه غير موجود ! هي أجلت حياتها من أجل فناجين الأسبرين و أنا من أجل بدلة زرقاء غامقة لا تساوي وزنها كتب محترمة ! و أنت سيارتك الأسيوية المقسطة على 50 شهرا التي لن تسير بها في طريق جبلي حتى لو كان يقود مباشرة إلى شلالات نياقارا ، و هو ستكون أسنانه البيضاء التي لن يقضم بها شكلاطة كوت دور الفاخرة بعد الخامسة مساء حتى لا يتلفها و لأنها رأسماله الوحيد الذي يقابل به ……….
كلنا أجلنا حياتنا قبل سعادتنا و رهننا عفويتنا من أجل فناجين سيراها من يرثها من بعدنا (على غير الموضة) و سيعطيها لصبي ميكانيكي لأنها أنسب للأماكن القذرة.
رجاص اليوم 23:02 Bonne nuit à toutes et à tous
.
..

….
…..
En fait c’est quoi tes coupes à toi

معاذ بوتقرموشت

 

 

شاركها على:

شاهد أيضاً

رفقة الطبيعة

بشعر أشقر مائل إلى الحمرة وكأنه الأفق الجميل، سحنة طفولية بريئة لا تعرف لتزاويق الحياة …

اترك تعليقاً

أهلًا بكم في طفرة جوز - منصة المبدع العربي، سجلوا الدخول وانشروا ابداعاتكم في شتى المجالات: رسم ،تصوير ، تصميم ، شعر وقصيدة ، خواطر ، قصة قصيرة ، مقالات ، ابداع ، أعمال يدوية وكل ما هو ابداع. ، شروط الاستخدام